أبي حيان الأندلسي

628

البحر المحيط في التفسير

إثباتها مع الهمزة المكسورة . وقرأ الباقون بحذف الألف ، وأجمعوا على إثباتها في الوقف ، وإثبات الألف وصلا ووقفا لغة بني تميم ، ولغة غيرهم حذفها في الوصل ، ولا تثبت عند غير بني تميم وصلا إلّا في ضرورة الشعر نحو قوله : فكيف أنا وانتحالي القوافي * بعد المشيب كفى ذاك عارا والأحسن أن تجعل قراءة نافع على لغة بني تميم . لأنه من إجراء الوصل مجرى الوقف على ما تأوّله عليه بعضهم ، قال : وهو ضعيف جدا ، وليس هذا مما يحسن الأخذ به في القرآن . انتهى . فإذا حملنا ذلك على لغة تميم كان فصيحا . قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ لما خيل الكافر أنه مشارك لرب إبراهيم في الوصف الذي ذكره إبراهيم ، ورأى إبراهيم من معارضته ما يدل على ضعف فهمه أو مغالطته ، فإنه عارض اللفظ بمثله ، ولم يتدبر اختلاف الوصفين ، ذكر له ما لا يمكن أن يدعيه ، ولا يغالط فيه ، واختلف المفسرون هل ذلك انتقال من دليل إلى دليل ؟ أو هو دليل واحد والانتقال فيه من مثال إلى مثال أوضح منه ؟ وإلى القول الأول ذهب الزمخشري . قال : وكان الاعتراض عتيدا ، ولكنّ إبراهيم لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه ، ولكن انتقل إلى ما لا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب ليبهته أول شيء ، وهذا دليل على جواز الانتقال من حجة إلى حجة . انتهى كلامه . ومعنى قول الزمخشري : وكان الاعتراض عتيدا : أي من إبراهيم ، لو أراد أن يعترض عليه بأن يقول له : أحي من أمتّ ، فكان يكون في ذلك نصرة الحجة الأولى ، وقد قيل : إنه قال له ذلك ، فانقطع به ، وأردفه إبراهيم بحجة ثانية ، فحاجه من وجهين ، وكان ذلك قصدا لقطع المحاجة ، لا عجزا عن نصرة الحجة الأولى ، وقيل : كان نمروذ يدعي الربوبية ، فلما قال له : إِبْراهِيمَ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ أي : الذي يفعل ذلك أنا لا من نسبت ذلك إليه ، فلما سمع إبراهيم افتراءه العظيم ، وادعاءه الباطل تمويها وتلبيسا ، اقترح عليه ، فقال : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فافحم وبان عجزه وظهر كذبه . وقيل : لما قال : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قال له النمروذ : وأنت رأيت هذا ؟ فلما لم يكن رآه مع علمه أن اللّه قادر عليه انتقل إلى ما هو واضح عنده وعند غيره ، وقيل : انتقل لأنهم كانوا يعظمون الشمس ، فأشار إلى أنها للّه عزّ وجل مقهورة .